أبي منصور الماتريدي

302

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أبي حنيفة تمثل - كما هو معروف - مدرسة الرأي ، ومعنى هذا القول أن الماتريدي ينتمي إلى مدرسة الرأي . وأقول : إن كان هذا يصدق على الماتريدي متكلما أو فقيها فلا يمكن أن يصدق عليه مفسرا ؛ إذ إنه في تفسيره لا يمكن أن ينتمي إلى مدرسة الرأي أو مدرسة النقل جميعا ، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين . وبيان ذلك : أن الماتريدي في تفسيره قد استجمع شرائط مدرسة النقل والعقل ؛ حيث إنه استند في تفسيره على المأثور كما استند على المعقول وهذه سمة بارزة عنده ، ليس في هذا التفسير فقط ، بل في جميع مؤلفاته ، فقد رأى خطأ الوقوف عند حد النقل أو المغالاة في الجانب العقلي ، فالموقف العدل - عنده - هو التوسط بينهما ، وذكر أن من دواعي استحسان هذا الموقف الوسط هو قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ووسطية الماتريدي قائمة على رد كل ما لا يتفق مع أهل السنة من المعتزلة والمجسمة والمشبهة والحشوية وغيرهم ، وتقرير عقائد أهل السنة في أثناء تفسيره بالأدلة العقلية والنقلية . وليس موقف الوسط - كما يظن - توفيقا بين الآراء ، وأنه يخلو من الابتكار ، بل هو قمة الابتكار ؛ لأنه يتطلب معرفة كاملة بأحكام النقل والعقل ؛ فلا بد من معرفة كاملة بالكتاب والسنة ، والمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، والأخبار وشروطها ، وهذه هي أحكام النقل ، ولا بد - أيضا - من معرفة أحكام العقل والنظر والتأويل والاجتهاد وإقامة الأدلة والبراهين . وإذا تقرر هذا فيجب أن نثبت للماتريدي المفسر بعض الخصائص والسمات التي تجعله مفسرا متميزا ، هذه الخصائص والسمات تتلخص في : أولا : استقلال الفكر : كان الماتريدي لا يتعصب لمذهب معين أو رأي معين ، بل يبحث عن الحقيقة ، فلم يكن تابعا لفكر معين ، أو متعصبا أو انفعاليّا ؛ لأنه كان يعلم أن هذه الأمور تصد عن الوصول إلى الحقيقة ، ومن ثم ضمن له ذلك الاستقلالية والحرية والموضوعية في تناول القضايا في تفسيره . والناظر في تفسيره - نظرة إجمالية - سوف تظهر له هذه الحقيقة ، فهو في تفسيره لا يعرض أحيانا للمذاهب أو الآراء بل إنه يعرض القضايا ، فيشعر القارئ كأنه يعرضها كما